الذهبي
88
الأمصار ذوات الآثار
من ابتكروا فكرة المدارس ، وإنهم أيضا أول من وقفوا المكتبات ، وذلك أن أول « 1 » دار للكتب وقفت في الإسلام كانت في البصرة . وقد كانت المدارس والمكتبات منتشرة في البلاد المشرقية كلها ، في بلاد ما وراء النهر ، وخراسان ، والسّند ، والهند ، والجبال ، وأذربيجان ، وفارس ، والعراق ، والموصل ، وبلاد الروم ، وغيرها . وكان أعظمها ذكرا في العصور المتأخرة قبيل ورود التتار إلى ديار الإسلام ، المدارس والمكتبات في البلاد الخراسانية ، قال ياقوت الحموي عند كلامه على مرو : « ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد ، وخرابها لما فارقتها إلى الممات ، لما في أهلها من الرّفد ، ولين الجانب ، وحسن العشرة ، وكثرة كتب الأصول المتقنة بها ، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة ، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزّنجاني أو عتيق بن أبي بكر . . . وكان فيها إثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها ، والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب ، وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته ، ومات المستوفي هذا في سنة 494 وكان حنفي المذهب ، وخزانة نظام الملك الحسن « 2 » بن إسحاق في مدرسته ؛ وخزانتان للسمعانيين ؛ وخزانة أخرى في المدرسة العميدية ؛ وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها ؛ والخزائن الخاتونية في مدرستها ، والضميرية في خانكاه هناك ، وكانت سهلة التناول ، لا يفارق منزلي منها مئتا مجلد وأكثر بغير رهن ، تكون قيمتها مئتي دينار ، فكنت أرتع فيها ، وأقتبس من فوائدها ، وأنساني حبها كل بلد ، وألهاني عن الأهل والولد ، وأكثر فوائد هذا الكتاب - ( أي معجم البلدان ) - وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن » « 3 » .
--> ( 1 ) المنتظم 9 / 3 ؛ الكامل 10 / 184 . ( 2 ) هو الحسن بن علي بن إسحاق . ( 3 ) معجم البلدان 5 / 114 - 115 .